الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

202

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي هذه ذكرى ، فذكرى في موضع رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف دلت عليه قرينة السياق كقوله تعالى في سورة الأحقاف [ 35 ] بَلاغٌ أي هذا بلاغ ، وفي سورة إبراهيم [ 52 ] هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وفي سورة ص [ 49 ] هذا ذِكْرٌ . والمعنى : هذه ذكرى لكم يا معشر قريش . وهذا المعنى هو أحسن الوجوه في موقع قوله : ذِكْرى وهو قول أبي إسحاق الزجاج والفراء وإن اختلفا في تقدير المحذوف قال ابن الأنباري : قال بعض المفسرين : ليس في الشعراء وقف تام إلّا قوله : إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [ الشعراء : 208 ] . وقد تردد الزمخشري في موقع قوله : ذِكْرى بوجوه جعلها جميعا على اعتبار قوله : ذِكْرى تكملة للكلام السابق وهي غير خلية عن تكلف . والذكرى : اسم مصدر ذكّر . وجملة : وَما كُنَّا ظالِمِينَ يجوز أن تكون معطوفة على ذِكْرى أي نذكّركم ولا نظلم ، وأن تكون حالا من الضمير المستتر في ذِكْرى لأنه كالمصدر يقتضي مسندا إليه ، وعلى الوجهين فمفاد وَما كُنَّا ظالِمِينَ الإعذار لكفار قريش والإنذار بأنهم سيحلّ بهم هلاك . وحذف مفعول ظالِمِينَ لقصد تعميمه كقوله تعالى : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ الكهف : 49 ] . [ 210 - 212 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 210 إلى 212 ] وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) عطف على جملة : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 192 ] وما بينهما اعتراض استدعاه تناسب المعاني وأخذ بعضها بحجز بعض تفننا في الغرض . وهذا رد على قولهم في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هو كاهن قال تعالى : فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [ الطور : 29 ] ، وزعمهم أن الذي يأتيه شيطان ؛ فقد قالت العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب لما تخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قيام الليل ليلتين لمرض : أرجو أن يكون شيطانك قد تركك . ولذلك كان من جملة ما راجعهم به الوليد بن المغيرة حين شاوره المشركون فيما يصفون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : نقول : كلامه كلام كاهن ، فقال : واللّه ما هو بزمزمته . وكلام الكهان في مزاعمهم من إلقاء الجن إليهم وإنما هي خواطر نفوسهم ينسبونها إلى شياطينهم المزعومة . نفي عن القرآن أن يكون من ذلك القبيل ، أي الكهان لا يجيش في نفوسهم